جزء مقتطف من ورقة قدمها الدكتور / عبد الله على إبراهيم - لسمنار “قضايا وإشكالات الدولة الإسلامية المعاصرة”

د. عبد الله على إبراهيم
قد توقفت خلال كتابتي الصحفية الراتبة عند ديوان الزكاة ونعيت تحوله، عن مقاصده كشعيرة إسلامية إلى مثال الديوان الضرائبي الكتشنري العادي. ولم يسعدني ما طرق اذني من خبر ديوان الزكاة. أول ما بلغني عنه استياء الناس من أبهة مقره في مدينة جبرة بالخرطوم الذي طال بنيانه وأزدان بصورة يستكثرها المسلم التٌرابي أو الأغبش على الفرد ناهيك عن دار الصدقة. ثم سمعت من ذوي الحاجة من أهلى تعففهم عن تكفف ديوان الزكاة من فرط الإجراءات المذلة التي اكتنفت معاملاتهم معه. وكشف حال الفقراء ممن ردهم ديوان الزكاة تجري به أنهر الصحف. ففي جريدة الوان (17 سبتمبر 2000) تجرست مواطنة بالأسم بخطاب لأمين الزكاة طامعة في مساعدة أسرة القائم بأمرها وهو جندي كفيف بفعل الحرب ولها 9 أطفال تعثرت في دفع مصاريف المدارس والكهرباء وعلاج الابن المريض بالدرن. وشكت لأمين الزكاة لؤم وشح موظفي ديوانه معها.
من الجهة الأخرى كدر خاطري أن اصبح الديوان عنصراً ثابتاً في قائمة مؤسسات الدولة المسئية للمال العام في تقرير المراجع العام السنوي. وأكثر ما كدرني اندراج إدارة هذا المنسك في المعلوم بالضرورة عن شح البروقراطية وخفة اليد. ثم ما ذاع أخيراً على شبكة الإنترنت من التزام الديوان بإيجار مبالغ فيه لمنزل قيادي به والإسراف في طلائه. وقد تمنيت أن يكون الخبر شائعة من أضغاث المعارضة. ولم يصدر من الديوان بعد ما يجرح هذا النبأ المعارض.
ولعل الشهادة القاصمة على ديوان الزكاة ما جاء على لسان السيدة حليمة عبد السلام والدة المواطنة عوضية محمد أحمد الشفيع. فقد قالت الوالدة من خلال غلالة الدموع للأستاذ التاج عثمان، المحرر بجريدة الرأي العام، إنها لم تمد يدها لديوان الزكاة أبداً ليعينها في نائبتها. وبلغت من تعففها أنها لا تعرف عنوانه ولا كيفية الوصول إليه. وهذا تجاهل لبناء متطاول كديوان الزكاة ربما نبههه إلى مأزقه مع زبائنه الربانيين. فلربما سمعت حليمة عن الديوان ما أوجب عليها التعفف برغم حالتها الملجئة. فهي تعيش مع هذه الابنة بمنزل من غرفة واحدة بالحارة الخامسة أم بدة.
وعوضية مفرطة القصر “بعيو” طولها لا يتجاوز 70 سم. “تجلس” على بطنها منذ 30 عاماً لأن أطرافها تقصر دون مهام الحركة. وإن رأيتها قلت طفلاً رضيعاً. ترقد على بطنها من الصباح إلى المساء وتنام ليلاً على ظهرها. ولا يتحرك منها سوى الرأس والعين. وللأسرة ابن قزم ايضاً عمل يالكارو ثم هاجر إلى مصر وانقطعت اخباره. كما لم يعد الوالد يقوم بأمر الأسرة لبلوغه من الكبر عتيا وهو قريب جداً من أن يكون كفيفاً. ورفضت الدولة حتى تجديد بطاقته الصحية. ووقع عبء قوامة الأسرة على الأم حليمة التي خدمت بالمنازل بالأجر حتى نال منها التعب فأنقطعت عن ذلك. وتقيم الأسرة أودها حالياً ببيع اللبن متى جادت به معزات يشاركن الأسرة الدار. كما تحرك عاطفة الدين والجيرة من حولها فيحسنون إليها بالموجود.
ولو اعترفت الحركة الإسلامية بإرث الغرب فيها لكانت بنت دولتها ومؤسسات البر بالمساكين على غير نموذج الديوان الضرائبي. وانصراف المساكين عن ديوان الزكاة هو ثورة المتعففين الذين خصهم الرحمن بالذكر الحسن.
Filed under: الاسلام السياسي, السودان, المجتمع, حضارة الرمال, حلول المتأسلمين سياسيا, عام, مقالات, هراء إسلاموي


فعلا كل ذلك يحصل بل وأكثر