الدين وحقوق الإنسان

أكبر غانجي

ترجمة: مركز الحوار للثقافة (تنوير)

حينما نتحدث أحيانا عن حقوق الإنسان نقصد بذلك الحقوق التي ورد ذكرها في الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تم التوقيع عليه عام 1948 من قبل 48 دولة ومن بعد ذلك وقعته بقية دول العالم واحدة تلو الأخرى، وأحيانا يكون المقصود هو مجموعة الحقوق التي وضعت للإنسان سواء كانت مضامينها أكثر أو أقل أو متساوية مع المضامين المذكورة في الاعلان العالمي لحقوق الإنسان. في هذا البحث سوف نتناول حقوق الإنسان من منظوره الثاني.

أولا: تساؤلات حول حقوق الإنسان.. هناك تساؤلات فلسفية حول المنظور الثاني، من ضمنها:

1- ما هي الصلة بين حقوق الانسان والحقوق الطبيعية natural rights وهل حقوق الإنسان هي ذاتها الحقوق الطبيعية أم لا؟ وإذا لم يكن هناك تطابق بينهما، فأيهما ذات نطاق أوسع، وأيهما ذات نطاق أضيق، وأيهما يتبع الأخر؟

2- هل توجد لدينا حقوق إنسان ذات نطاق عالمي Universal، حقوق لا يحدها زمان ولا مكان ولا تخضع لأي ظروف أو أوضاع خاصة وتشمل أي إنسان دون استثناء؟

3- إذا كان هناك ما يسمى بحقوق عالمية أو كونية، فما هي تلك الحقوق ؟ أي ما هي مضامين هذا المفهوم؟

4- كيف يمكن توضيح الحقوق العالمية للإنسان؟ بعبارة أخرى، لماذا يمتلك البشر هذه الحقوق؟ وما هي الخصائص التي يمتلكها كل البشر والتى تكون سببا في أن يتمتعوا بهذه الحقوق؟

5- هل هناك تناغم وتناسق بين كافة بنود حقوق الإنسان، أي إذا أردنا أن ننال حقا من هذه الحقوق، هل سنُحرم من حق آخر؟

6- هل حقوق الانسان هي الأصل، والواجبات الإنسانية متفرعة من هذا الأصل، أم العكس: الواجبات الإنسانية هي الأصل وحقوق الإنسان متفرعة منها؟ بعبارة أخرى، هل حقوق الإنسان تتقدم على الواجبات الإنسانية؟

7- هل هناك صلة بين حقوق الإنسان والأخلاق؟ وهل حقوق الإنسان تتأسس من الأخلاق، أم يتم استخراج الأخلاق من حقوق الإنسان؟

8- ما هي الصلة بين حقوق الإنسان والحاجات البشرية؟

9- هل هناك تناغم بين الحقوق العالمية للإنسان والتعددية الثقافية cultural pluralism؟

10- هل حقوق الإنسان حقوق فردية للبشر أم أن للمجتمعات والمنظمات والمؤسسات أيضا حقوق؟

ثانيا: ملاحظات حول الدين: عندما نتحدث عن العلاقة بين حقوق الإنسان وبين الدين يجب أن نتطرق إلى عدد من المسائل حول الدين، من ضمنها:

1- إن الأديان كافة ظهرت في مراحل تسمى بعصر ما قبل الحداثة (Pre-modern) أو العصر التقليدي، بينما يعتبر مفهوم حقوق الإنسان مفهوما حديثاً (Modern).

2- إن الأديان الرئيسية في العالم، وفي الوقت الذى تجمعها تعاليم ومفاهيم مشتركة ومتشابهة، لديها فروقات واختلافات، ويمكن التكهّن بأن نقاط تلك الفروقات والاختلافات من شأنها أن تؤثر في كيفية تقبلها لحقوق الإنسان.

3- إن أتباع الدين الواحد ليس لديهم مفهوم موحّد عن دينهم. فهناك على الأقل ثلاثة مفاهيم في كل دين يمكن تصورها، وهي: المفهوم الجوهري أو (الأصولي)(Fundamentalistic)، والمفهوم التقليدي(Traditionalistic) والمفهوم الحداثي(Modernistic).

4- إن أتباع أي دين، بغض النظر عن مفهومهم عن دينهم، لا يستطيعون التخلى عن بعض تعاليمهم، لذلك فإن مرونتهم لا تتعدى حدوداً معينة، وإن كانت هذه الحدود مرهونة بمفهومهم عن الدين، أي مرهونة بما إذا كانوا ذي فكر جوهري أو تقليدي أو حداثي.

5- إن الأديان، بالإضافة إلى الحقوق والواجبات التى وضعتها للإنسان، وضعت أيضا حقوقا ثابتة لله وللملأ الأعلى أو العالم المقدس أو الأمر المطلق.. إلى آخره، وهذه الحقوق تحكم حقوق الانسان حتى لو وُجد بعض التباين الكمي والكيفي بين هذه الأديان حول الحقوق الإلهية.

6- الأديان كافة باختلاف درجاتها تؤكد كرامة الإنسان.

ثالثا: النظرة العملية المعنية بتخفيف آلام ومعاناة البشر. أعتقد بأنه لا يمكن اعطاء إجابات مقنعة وغير مشوهة لأي من الاسئلة الفلسفية المهمة التى طرحتها في البداية، أي أنه لا توجد هناك أسس نظرية جازمة غير قابلة للنقاش يمكن على أساسها تبرير حقوق الإنسان من الناحيتين النظرية (Theoretical) والمعرفية (Epistemic).

فأي من التساؤلات المطروحة يمكن أن تكون لها أكثر من إجابة، ويمكن طرح استدلالات عدة لأي من هذه الإجابات، ولكن أي من هذه الاستدلالات ليست بالقوة التى يمكن من خلالها إثبات صحة ادعاءاتها أو أن تدحض الادعاءات المخالفة لها، لذلك فإنني لن أجيب على أي من هذه التساؤلات بل أسعى لأن أظهر بأننا يجب أن يكون لدينا، بناءً على دلائل عملية (Pragmatistic)، تفسيراً لحقوق الإنسان لا ينكر الدين بشكل تام، وأن يكون لدينا تفسيراً للدين لا ينفي حقوق الإنسان بشكل تام أيضاً.

بعبارة أخرى اعتقد بأنه إذا أردنا أن نخفف من آلام و معاناة البشر، لا يوجد لدينا حل سوى أن نقدم تفسيراً واقعيا يقبل حقوق الإنسان، وأن نتفهم موازين حقوق الإنسان بحيث لا تنفي ولا تنكر الدين بشكل تام كما فعل الفلاسفة الأمريكيين البراغماتيين من أمثال ويليام جيمس وجون ديوي. هذا التوجه، سواء كان نفياً أو إثباتا،ً ليس له صلة على الإطلاق بالأسس النظرية التي تبرر حقوق الإنسان ولا بالأسس النظرية التي تثبت أحقية الدين. فالبحث هنا مرتبط بتخفيف آلام ومعاناة البشر فحسب، وفي سبيل ذلك لابد أن يكون لدينا تفسيرا خاصا عن كلٍ من الدين و حقوق الإنسان.

رابعا: حاجة الدين إلى حقوق الإنسان: تفسيرنا للدين يجب ان لا ينفي أو ينكر حقوق الإنسان. إذ أن:

1) التجربة، سواء كانت تجربة بشرية على مدى التاريخ أو تجربة فردية طوال حياة الإنسان، تظهر بأن نيل هذه الحقوق من الشروط اللازمة (وان لم تكن كافية) لأن يحظى الانسان بحياة سليمة وممتعة. فالتجربة الإيجابية (أي تجارب الأشخاص الذين نالوا هذه الحقوق) وأيضا التجربة السلبية (أي تجارب الاشخاص الذين حرموا من هذه الحقوق) تظهران بأنه بدون نيل هذه الحقوق لا يمكن للدين أن ينفي أو لا يكترث بما يعتبر الحد الأدنى من الشروط اللازمة لضمان حياة سليمة وممتعة.

2) في تسلسل الحاجات الإنسانية (على سبيل المثال في هرم الحاجات التي وضعها إبراهام ماسلو عالم النفس الأمريكي ]1908-1970[) فإن حقوق الإنسان كانت دائما هي المؤمِّنة لمجموعة الحاجات التي تعتبر باستمرار جزءاً من الحاجات (الأدنى)، ولكنها بالطبع كانت أكثر قوة (على سبيل المثال الحاجات الجسدية والفسيولوجية والحاجات الخاصة بالأمن والأمان). وكان الدين هو المؤمِّن لتلك المجموعة من الحاجات، التي تعتبر رئيسية لكنها مؤجلة (كالحاجة الى تحقيق الذات، والازدهار). لذلك فإن حقوق الإنسان، سواء كانت حقوقا اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو دولية، فإنها متقدمة على الدين. بعبارة أخرى، ما لم يتم تلبية الحاجات التي تضمنها حقوق الإنسان فإن الحاجات التي يشرف عليها الدين لايمكن تحقيقها، لذلك لا يمكن للدين أن يتجاهل أهمية حقوق الإنسان إذ بذلك يَحُول دون ازدهار الحاجات الإنسانية الأعلى التي بدورها تولِّد الحاجة للدين.

3) حقوق الإنسان هي المعيار الوحيد الذي يجمع البشر كافة على الرغم من تنوع واختلاف مشاربهم ومذاهبهم. وعدم الاكتراث بحقوق الانسان يعني حرمان البشر من الشيء الوحيد الذي من شأنه أن يَحول دون تعرضهم للظلم والقهر. إن الدين الذي يؤكد على كرامة البشر لا يمكنه تعطيل "المحكمة" الوحيدة التي يمكن من خلالها الحيلولة دون ضياع وانتهاك حقوق الإنسان. لذلك فإن تعطيل مثل هذه المحكمة سيؤدي إلى إلغاء كرامة البشر.

خامسا: حاجة حقوق الإنسان للدين: تفسيرنا لحقوق الإنسان يجب أن لا يؤدي إلى نفي الدين. وذلك للأسباب التالية:

1) الأديان هي التي تنمِّي العديد من الأحاسيس والمشاعر المؤيدة لحقوق الإنسان والمعارضة لانتهاك تلك الحقوق. فالأديان والمذاهب، من خلال تأكيدها على العدالة والمحبة والرحمة، تولِّد في البشر أحاسيس ومشاعر قيّمة تجاه أقرانهم (بل وأيضاً تجاه الحيوانات والنباتات)، لذلك من شأن الأديان والمذاهب أن تكون أفضل ضامن لاحترام حقوق الإنسان. فالغالبية العظمى من المتديِّنين والمؤمنين من مختلف الأديان والمذاهب لديهم نظرة إيجابية تجاه احترام حقوق الإنسان، لذلك فإن نفي الدين قد يعني القضاء على جزء كبير من الأحاسيس والمشاعر التي تعود بالفائدة على حقوق الإنسان.

2) الأديان والمذاهب تقدّم تفسيرات تبرر قبول حقوق الإنسان. ففي الفكر العلماني، وفيما يتعلق بعلم حياة الإنسان، فإن كل فرد يستحق أن يحظى بحقوقه كإنسان. ولكن فى الوقت نفسه يمكن للأديان والمذاهب أن تفسّر حقوق الإنسان ذاتها على أسس أخرى من منطلق أنهم خلقوا من قبل خالق واحد وبأنهم سواسية عند الله، لذلك فإنهم يتمتعون بحقوق مشتركة ومتماثلة. ونظراً لأن غالبية البشر يعتنقون دينا من هذه الأديان ويلتزمون به، فلماذا نسلب هذه الدَّعَامة النظرية من حقوق الإنسان؟

3) إذا لم تبالي حقوق الإنسان بالدين، فإن العديد من المؤمنين سيشكّكون بها. فمن الأسباب التي تدعو الحكومات الدينية التي تنتهك حقوق الإنسان إلى التطرق دائما لمبادئ حقوق الإنسان غير الدينية، بل والمناهضة للدين أيضاً، هي أنهم يسعون إلى تشكيك المؤمنين تجاه حقوق الإنسان والمدافعين عنها، وبذلك يحاولون ان يخفّفوا من حدّة المعارضة التي يواجهونها حيال انتهاكاتهم لتلك الحقوق. لذلك يجب على المدافعين عن حقوق الإنسان ألاّ يسمحوا بأن يفسَّر الدفاع عن هذه الحقوق بأنه دفاع عن ظاهرة غير دينية أو منافية للدين، وهذا الأمر سيؤدي إلى إطلاق يد الأفراد والمنظمات التي تُقْدم على انتهاك حقوق الإنسان باسم الدين.

سادسا: أي قراءة عن الدين تتماشى مع حقوق الإنسان؟ يجب على تلك القراءة أن تتوافر فيها الشروط التالية:

1) تؤمن بأن ما ذكر في القرآن والأحاديث النبوية يأتي من منطلق ونهج واحد (Process). وإذا قبلنا بأن مضمون كل من القرآن والأحاديث يعكس ويبيّن نهجا واحدا سيتمخض عن ذلك نتيجتين:

أ) أن بعض آيات القرآن قد جاءت لحل مسائل وقضايا خاصة بمكان وزمان محدّدين (Local) وليس لحل مسائل أزلية وكونية Universal))، وأن الهدف هو أن تكون تلك الآيات مرتبطة بزمان ومكان محددين أو بظروف مشابهة لذلك.

فالكثير من التناقضات الموجودة بين القراءات الجوهرية (الموضوعية) أو حتى التقليدية (التجزيئية) عن الدين من جهة وحقوق الانسان من جهة أخرى تفيد بأن هذه القراءات قدمت أفكاراً خاطئة وظنت بأن أحكام القرآن كافة هي أحكام دائمة وشاملة، ونتيجة لذلك قامت بصورة خاطئة بتعميم تلك الأحكام المرحلية على كل الأزمنة، ومن بينها وقتنا الحاضر، مما أدى إلى ظهور أحكام تتنافى مع الضمير والعقل الراهنين ولا تتماشى مع حقوق الإنسان في يومنا هذا.

ب) من خلال التمعّن في أحكام القرآن وبعيداً عن التحامل والانحياز، يمكن التكهّن بأنه إذا ما استمرت المرحلة التي أدت إلى ظهور أحكام القرآن وامتدت الى يومنا هذا، فإن هذه الأحكام كانت ستشهد تطوراً وتغييرات حتى وقتنا الراهن. وإذا كان هناك معنى للاجتهاد الحي فإن ذلك لن يكون إلاّ ما ذكرناه.

إن أحكام العقل (النظرية) إذا ما كانت تخضع للصدق فإن صدقها سيكون أزلياً وأبديا،ً وإذا ما كانت كاذبة فإن كذبها سيكون أزلياً وأبدياً أيضا. [مثلاً]: القول بأن (سقراط أستاذ افلاطون) هو صدق أزلي وأبدي، أما القول بأن (أفلاطون أستاذ سقراط) فهو كذب أزلي وأبدي. ولكن أحكام العقل (العملية) لا تخضع للصدق والكذب بل إما أن تكون فاعلة أو تكون غير فاعلة.

وثانيا: إن فاعليتها أو عدمها لا تكون أزلية وأبدية بل مؤقتة، إذ إن أحكام العقل العملية تطرح لحل المعضلات، وكل معضلة هي ناتجة عن ظرف ومكان محدَّدين في نسيج خاص (context)، وعندما تنتفي هذه الحالة والظرف المحدَّدين فإن حكم العقل العملي سيفقد فاعليته. على سبيل المثال حينما نقول (تناول هذا الطعام) أو(اصمت) تعتبر تلك أحكام العقل العملية وتكون فاعلة في حالة معينة وتفقد فاعليتها في ظروف أخرى.

2) التفسير الإسلامي الذي يتناسب مع حقوق الإنسان، يجب أن يؤمن بأن الإسلام، أو أي دين آخر، يهتم بالسلوك الباطني (الداخلي) أكثر من اهتمامه بالسلوك الظاهري (الخارجي)، لذلك فإن التفسير الصحيح للقرآن والاحاديث النبوية هو التفسيرالعرفاني. بعبارة أفضل، هو تفسير (سلوكي) وليس تفسيراً فقهياً.

ذلك أن التفسير الفقهي يركز على كيفية تنفيذ الأفعال الظاهرية والجسدية حتى تتماشى مع المعايير والضوابط الشرعية، كأنما هوية الإنسان وأهميتها تنحصران في الأعمال الجسدية سواء كانت هذه الأعمال صحيحة أو غير صحيحة، في الوقت الذي كان الرسول الأكرم قد بُعث ليتمم مكارم الأخلاق لدى البشر (إنما بعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق).

ونحن نعلم بأن كلمة أخلاق في اللغة العربية، هي جمع لكلمة خُلُق، وتعني الشخصية (Character) في علم النفس، أي الفطرة الإنسانية. لذلك وخلافاً لرأي الفقهاء والمتفقِّهين، فإنه يجب تجاهل أهمية وقيمة الأفعال الظاهرية، بل يجب تقييم كل فعل وسلوك بناء على مدى تأثيره الإيجابي على الفطرة الإنسانية، وذلك وفقاً لمشرب أهل المعرفة والأخلاق. ويجب الاستمرار في الفعل الجسدي والظاهري طالما يساعد على إتمام مكارم الأخلاق، وفي حال انتفاء هذه المساعدة فإن التوقّف عن هذا الفعل سيكون منافياً للعقل وناقضاً للغرض منه.

إن العودة المنصفة الى القرآن الكريم تظهر بأنه من وجهة نظره فإن باطن الإنسان أهم من ظاهر أعماله. فعلى سبيل المثال تقول الآية: {أتل ما يوحى إليك من الكتب وأقم الصلوة إن الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون}(العنكبوت:45)، فالصلاة التي تُعتبر عملا ظاهريا يتم العمل بها لأنها تبعد الإنسان عن الفحشاء والمنكر، لكن الأهم من ذلك هو ذكر الله والذي يعد أمراً باطنياً وذاتياً.

- {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}(البقرة:183).

- {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم}(الحج: 37).

- {ليبلوكم أيكم أحسن عملا}(هود: 7).

إن المقصود هنا ليس ظاهر العمل ولا حجمه. فالقرآن لا يهتم بحجم الإنفاق بل يهتم بالإنفاق فيما نحب حتى نتطهر ذاتياً: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}(آل عمران: 92).

3) يجب على التفسير الديني الذي يتماشى مع حقوق الإنسان، أن يؤمن بأن الإسلام قد جزَّأ الأعمال الظاهرية إلى مجموعتين: الأعمال الشعائرية (العبادات) (ritual) والأعمال الأخلاقية (moral). والإسلام يولي أهمية كبيرة للمجموعة الثانية. فالقِصَاص والحَدْ والدِيّات التي تتنافى بشكل كبير مع حقوق الإنسان في وقتنا الحاضر، تعتبر من الأعمال الشعائرية. وإذا وضعنا هذه المناسك في مجرى أخلاقي مناسب سنرى بأنها ستكون أكثر قبولاً، ولكن عندما تتحوَّل أو تأخذ أشكالا عنيفة يجب أن نقر بأنها قد خرجت عن طريقها الأخلاقي. على سبيل المثال، فإن مما لاشك فيه بأن القِصاص عمل “عنيف” قد أجازه القرآن، لكن في الوقت ذاته ينوّه القرآن بشكل صريح بأنه إذا عفوتم (ولم تطبّقوا القصاص) سيكون ذلك أفضل.

وإذا ما التفت أي شخص بجدية إلى الأعمال الأخلاقية في القرآن، كالعفو والتسامح، بالرغم من انه يتمتع بحق القِصاص، فإنه سيمتنع عن تطبيقه، فـ{الصلح خير}( النساء: 128) في الأمور العائلية. وقد ورد نفس الأمر في سورة البقرة الآية 237، والنساء الآية 149، والتغابن الآية 14، حيث يتم التأكيد على “العفو” بالرغم من الظلم الذي يتعرض له الإنسان.

سابعا: ما هي المؤلفات الإسلامية التي تدعم حقوق الإنسان؟ قبل الإجابة على هذا التساؤل يجب أن نتطرق إلى ثلاث نقاط:

أ) إن العديد من المؤلفات التي تدعم حقوق الإنسان غير مختصة بالإسلام فحسب، بل هي موجودة في الأديان والمذاهب الأخرى أيضاً. أما إذا حصرنا الحديث حول المؤلفات الخاصة بالإسلام، فإننا لن نجد الشيء الكثير. ولأن هذه المؤلفات الموجودة في الأديان الأخرى نجدها في الاسلام أيضاً، لذلك باستطاعتنا أن ننسبها إلى الإسلام.

ب) إن العديد من المؤلفات التي تساهم في ضمان تطبيق حقوق الإنسان، هي في الأساس مأخوذة من الأديان والمذاهب، لكنها نظراً لالحاقها بالثقافة الحديثة فقد أدت إلى أن ينسى العديد من الأشخاص جذورها الدينية. على سبيل المثال، هناك مفهوم (الأخوّة بين البشر) الذي لعب دوراً مهماً في الثورة الفرنسية هو في الاساس مفهوم ديني. فإذا لم نعتبر البشر أبناء رب واحد كيف يمكننا أن نعتبرهم أخوة و(أخوات)؟

ج) في الإسلام (وفي العديد من الأديان الأخرى أيضاً) توجد عناصر تساهم في تطبيق حقوق الإنسان. وأود هنا أن أقدم نبذة عن هذه العناصر:

1) الإسلام يؤكد على العدالة: الآية 15 من سورة الشورى، الآيات 3 و135 من سورة النساء، الآية 8 من سورة المائدة، و125 من سورة الأنعام، و282 من سورة البقرة، و95 و106 من سورة المائدة، و 2 من سورة الطلاق، و58 من سورة النساء، و76 و90 من سورة النحل، و9 من سورة الحجرات.

2) الإسلام يؤكد على الرحمة: أولا؛ الإسلام يؤكد على “الرحمة الإلهية”، والقرآن يعلم المؤمنين بأن الله كتب على نفسه الرحمة (الأنعام: الآية 12 والآية 54).

وفي أهم الأذكار الإسلامية أي (بسم الله الرحمن الرحيم) هناك صفتان ذكرتا بعد اسم الله وهما الرحمن والرحيم. وفي أكثر من 320 موضع في القرآن ذكرت هذه الصفات عن الله.

من جهة أخرى فإن هدف وغاية الحياة الإسلامية هي التشبّه بصفات الله؛ أي أن المسلم يجب أن يسعى قدر الإمكان لأن يكتسب “الخُلُق” الإلهي، لذلك ينبغي على الإنسان أن يكون ذو رحمة، إذ هي من الغايات المهمة في الحياة المعنوية للمسلم. وغني عن القول إن الإنسان ذو الرحمة يحافظ بحرص على حقوق أقرانه.

3) إن الشيء الوحيد الذي يؤدي في الإسلام إلى تفضيل إنسان على آخر هو صفة التقوى. ومما لاشك فيه أن الإنسان التقي سيكون مكرماً عند الله (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ولا يعني ذلك بأنه سيمنح عدداً من المميزات الحقوقية. هذا الأمر يؤدي إلى نوع من المساواة egalitarianism)) في الحقوق.

4) يؤكد الإسلام على مراعاة المواثيق والعهود ولا يقبل التنصّل من أي ميثاق.

5) لا يرضى الإسلام – أبداً – بشيء أكثر من التعامل بالمثل. فإذا تعرّض شخص للظلم من قبل شخص آخر، لا يحق له ان يواجه هذا الظلم بأكثر مما تعرض له.

6) في تعاليم الإسلام كذلك، فإن العفو والتسامح هو أفضل من الانتقام والثأر.

7) يؤكد الإسلام على المسؤولية الفردية، لذلك فإنه لا يسمح بمعاقبة شخص على جريمة ارتكبها شخص آخر. كما أن الإنسان يعاقب على الجريمة التي ارتكبها فحسب.
8) يعارض الإسلام الإرهاب بشدة، وقد جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام: (لا فتك في الإسلام).

9) لا يجيز الإسلام قتل المدنيين إطلاقاً.

———-

اترك رد