قلت سابقا واكرر دائما ، مشكلتنا عدم وضوح معنى مفردة أو مصطلح (النصر) ، وهناك دائما مساحة واسعة تحوم داخلها المعاني دون تحديد ووضوح ، وكل واحد فينا له مفهومه الخاص حول المفردة ، وكل ينظر لها من زاوية مختلفة وبرؤية مختلفة تابعة لأسس وثوابت مختلفة .
مفردتي النصر والهزيمة استخدمتا كثيرا من قبل العامة والخاصة ، ومن قبل الحكام والشعوب ، ومن قبل المستبدين والديمقراطيين ، ولكن كل منهم ينظر بزاوية مختلفة لحالة واحدة ، فمن ينظر إلى نصف الكأس الفارغ ، ومن ينظر إلى نصف الكأس المليان .
فحماس تعتبر حربها مع إسرائيل انتصارا ، وإسرائيل تعتبره انتصارا ، فهل معقول أن الاثنان منتصرين ، طيب وان سلمنا بذلك فمن الخاسر إذن ؟!!
لكن لو فهمنا الأسس التي يعتمد عليها الخطابين ، لتحول تساؤلنا إلى معرفة ، ولفهمنا القيم الأخلاقية لكل من طرفي الصراع ، بغض النظر باتفاقنا مع هذا الطرف أو ذاك ، أو باعتبارنا قيم هذا الطرف هي الأصح أم الآخر .
لنرى كل طرف كيف يفكر ، وما هي أولوياته .
فإسرائيل تحترم شعبها ، وتسعى لحمايته كأفراد وكمجتمع ، حتى وان رفضنا إسرائيل بعقولنا ودواخلنا ، ولكنها حقيقة واقعة ، وحتى يأتي اليوم الذي تتغير به الحقائق على الأرض ، علينا أن نتعامل مع ما موجود على ارض الواقع ، لا ارض الخيال .
إسرائيل تعتمد الليبرالية الديمقراطية بصورتها الإسرائيلية ، أي أنها أوجدت ليبراليتها ، فهي ليست دولة دينية ، أي أن الدين لا يحكمها ، ولكنها دولة لليهود كعنصر مكون لشعبها ، فليبراليتها تختلف عن الليبراليات الأوربية أو الأمريكية أو الآسيوية ، ولكنها ليبرالية خاصة بها ، كما هي ديمقراطية ، وللفرد الإسرائيلي حق انتخابي ، كما له حقوق كثيرة أخرى .
والدولة وجدت لحماية المواطن الإسرائيلي وليس العكس ، ورئيس وزراء إسرائيل يسعى بكل ما أتيح له من قوة لحماية مواطنيه ، بحياتهم ، وحتى بعد مماتهم ، لذا ترى إسرائيل تطلق المئات من الأسرى مقابل رفات ، فقيمة الفرد عندها أعلى وأغلى .
وهي تمارس الفصل الكامل بين السلطات الثلاث ، وما محاسبة رئيس الوزراء الحالي اولمرت وتنحيه إلا مثال قريب على ذلك ، كما أن بها سلطة رابعة لاذعة ، إلا وهو الإعلام ، فتراه لا يحابي ولا يجامل قدر تعلق الأمر بالمواطن الإسرائيلي وأمنه ، كما بها رأي عام مؤثر ، قلما تراه يخرج للشارع ، بسبب أن ممثليه من أحزاب ونقابات ومنظمات قادرة على إيصال وجهة نظره لصناع القرار ، ولكن تراه يخرج عند الضرورة وبالأزمات .
من كل ذلك نرى أن النصر عند إسرائيل هو بتحقيق الأمن والعيشة الكريمة لمواطنيها ، والهزيمة عندما تعجز عن ذلك .
وليس النصر لديها أن يستمر اولمرت رئيسا للوزراء ، أو أن يأتي غيره ، لأنهم جميعا بخدمة إسرائيل ، وليست إسرائيل بخدمتهم ، فالقائد الجيد لديها هو من يخدم الفرد الإسرائيلي أكثر .
بينما حماس ، أو حتى السلطة الفلسطينية ، بل عموم النظم العربية ، فهي أنظمة غير ديمقراطية ولا ليبرالية ، وان تبجحوا بوجود انتخابات ، فهي هزيلة وغير ذي أثر يذكر ، بل ولا يوجد فصل للسلطات ، فلا نستطيع محاسبة الرئيس ، ولا حتى وزير ، بل ولا حتى موظف مسنود كما يقولون ، والقانون وجد ليطبقه الشعب المغلوب على أمره ، وليس الحاكم وزبانيته .
والهدف الأسمى لنظمنا هو حماية الحاكم ما دام بسدة الحكم ، فان انقلب عليه احد ، نعطي الولاء للحاكم الجديد ، والمصحح للمسيرة ، والطاعة العمياء له ولحاشيته ، بالصحيح والخطأ ، فأن أصاب خرجنا بمظاهرات تأييد للنظرة الثاقبة والرأي الحميد ، وان أخطأ صمتنا إن لم نحول خطأه لصح بتغيير القيم ، أو أن نجد العذر له ، فجل من لا يخطأ ، وهذه بسبب المؤامرة التي يحيكها لنا الأعداء ، فنظرية المؤامرة جاهزة دائما لتعليق إخفاقاتنا عليها .
وجموع الجماهير كلها فداء للحاكم ولحصانه ، بل وحتى عذرا لنعاله ، وآخر ما تسأل عليه أنظمتنا هو حال الناس ، وآخر ما نهتم به هو حال الفرد .
والنصر عندنا هو ببقاء الحاكم بسدة حكمه منعما بكرسيه ، ولا يهم كم أعطينا خسائر ، بالأرواح والأموال ، لان لدينا نساء تنجب بالعشرات ، فممكن تعويض الخسائر البشرية بسرعة البرق ، والمال والبناء يعوض من هنا وهناك ، المهم قصر الحاكم لم يقصف .
فما هو الانتصار عندنا إذن ، هل هو النجاح ؟ أم هل هو البقاء على قيد الحياة رغم ضربات العدو ؟ أم هل هو الثبات كما تقول حماس ؟ أم هل هو سلامة قادة حماس عدا اثنين قتلوا أو استشهدوا ؟ أم هل هو عدم الركوع ؟ أم هو بقاء الانقسامات العربية والفلسطينية ؟ أم هو تدمير المدارس والبني التحتية ؟ أم هو تشريد الآلاف ؟
أم هو توقف صواريخ حماس كما تقول إسرائيل ؟ وحصار غزة وتجويع وذل الشعب ؟ أم وجود جيش جرار أمام مجموعة قليلة من مقاتلين بسلاح خفيف ؟ أم ضرب المدنيين وتهديم البيوت فوق رؤوسهم ؟ أم تحرير شاليط ؟
أعتقد أن الانتصار هنا ، كل الانتصار هو بصدور فتوى قتل عادل إمام !!! ، لأن المشكلة ، كل المشكلة منه ، ومن شاهد ما شافش حاجة ، وسيد زينهم ، والزعيم .
وكل عام وأنتم بخير والى لقاء بحرب قادمة وفتوى قتل جديدة .
محمد الحداد
27 . 01 . 2009